10- (كتابُ "من أدب الرَّاوية أحمد بن محمد الحضراني" توثيق وتحقيق الدكتور عبد الله بن محمد آل حميِّد)
بقلم: د. #إبراهيم_أبوطالب
#إشارات_أدبية
هذا كتابٌ يحملُ من الوفاء والمحبة قدرًا عظيمًا، لم أرَ شَخصًا يُتمثَّل ويتقمَّص روحَ أديبٍ وشاعرٍ، ويروي أشعارَه، بل ويحكيها بنبرات صوته، وأدائه، ومداخلاته، وتعليقاته كما يفعل الأديب القدير الدكتور الجليل (عبد الله بن محمد آل حميِّد) مع الرَّاوية – صيغةُ مبالغة لكثرة رواياته ومحفوظاته للشعر والحكايات- اليمني الكبير الأستاذ أحمد بن محمد الحَضْرَاني -رحمه الله- تبدأ حكايته ومعرفته به من (مكتبة المؤيَّد) في الطائف عام 1389ه/1970م بصحية جدِّه أديب عسير عبد الله بن علي بن حميِّد، حيث رأى الحضراني لأوَّل مرةٍ، وأُعجب بشخصيته و"الكاريزما" الخاصَّة به في ملبسِه اليمني الأصيل، وفي أدبه، وكيف يروي الشعر؟ وكم يحفظ منه؟
وبعد سنوات طويلة يستضيفه نادي أبها الأدبي في عام 1402/1980م، أي بعد عشر سنوات تقريبًا من لقائه الأول به، فتُقامُ له أمسية شعرية وأدبية يديرها الدكتور عبد الله بن عبد العزيز المصلح الأكاديمي الذي اختارته جامعةُ الإمام محمد بن سعود الإسلامية في الرياض لتأسيس فرعها في منطقة عسير، وافتتاح كلية الشريعة واللغة العربية في عام 1396ه/ يوافق تقريبًا 76- 1977 ميلادية. وبعد سنوات استضاف النادي الأدبي الأستاذَ الحضراني من الطائف -مقرّ إقامته- لإقامة تلك المحاضرة التي ستشكِّل في وعي الشَّاب الأديب عبد الله آل حميِّد فارقًا، ومحطَّةً مهمَّةً في معرفة الرجال والانبهار بهم، وبعلمهم وأدبهم. فسُجِّلت تلك الأمسية على منصَّة النادي، وحُفظت بالصوت والصورة في أرشيفه، لكنَّها قبل ذلك حُفِظت في ذاكرته وفي وجدانه ووعيه، وبعد (35) عامًا يقومُ بتفريغها مِن مظانها، ويخرجُها في هذا الكتاب، مع تقريظ للدكتور المصلح يُشِيد فيها بجهده وعمله، ثم تعقبها صفحةٌ لإدارة النادي -أشبه بالفَسْح أو التَّقديم- تقول: "هذه المحاضرة للقاضي "أحمد الحضراني" راويةُ القرن 14 الهجري.. قضَى عمرًا مديدًا بين مسقط رأسه "اليمن" ومُهَاجَرِهِ "السعودية" التي كان فيها مثواه الأخير.. استضافه النادي في أواخر سنوات عمره، وكان هذا اللقاء الجميل الذي نقدِّمه وثيقةً للتاريخ والأدب والأنموذج الأدبي الذي قَلَّ نظيره في هذا العصر، ونتمنى للقارئ العزيز وقتًا ممتعًا معه"، (إدارة النادي).
ثم تأتي مقدمة الكتاب في (7) صفحات ضافية، يذكرُ فيها المؤلفُ (محقِّق تلك المحاضرة، وموثِّقها) علاقتَه بالحضراني ومعرفته الأولى به، وبتلك المحاضرة المهمَّة التي رَسَخَت في عقله الظاهر والباطن، ورافقت رغبته في فكرةٍ ألحّت عليه، وهي تأليفُ كتابٍ عن السِّيرة الذاتية لهذا "العَلَم الفذِّ... لأنه لم يعثر في المكتبة العربية بعد وفاته على ما يسدُّ الثغرةَ في كتابٍ مستقلٍّ يتحدثُ عنه وعن أدبه، اللهم إلَّا ترجمات متفرقة هنا وهناك"، ويذكر بعض تلك الترجمات مما ورد في (نُزهة النظر) لمحمد بن محمد زبارة، ولبعض الصُّحف التي نَشَرت عنه بعد وفاته بعضًا من سيرته أو مقتطفاتٍ من شعره.
ثم يقدِّم له في المبحث الأول من هذا الكتاب ترجمةً وافيةً في (10) صفحات يبدَؤها بقوله: "هو القاضي العلامة والأديب الحفَّاظة صفي الدين أحمد بن محمد بن إبراهيم الحضراني الآنسي. مولده بمنطقة (ضُوْران) من (آنِس) باليمن سنة 1313ه/[توافق: 1895م]، وبها نشأ وتعلَّم، ثم استكمَل تعليمه في منطقة (ذَمَار)، حيث أخذ على طائفةٍ من علمائها، وبعد ذلك انتقل إلى مدينة (صنعاء)، وأخذ كذلك طَرفًا من العلوم على أيدي علمائها، وفي عام 1333ه هاجر إلى (مكَّة المكرمة)، وأخذ بها العلم على عددٍ من المشايخ، واتصل بالشريف الحسين بن علي، وبقي عنده سنوات... ثم عاد إلى اليمن سنة 1337ه.. وقد نبغ منذُ سنٍّ مبكرة في كثير من العلوم والمعارف، فكان عالمًا له مشاركة في بعض علوم اللغة العربية، وشاعرًا أديبًا حفَّاظةً [أي كثير الحفظ]، فما من شاعر مِن الشعراء المشهورين إلا ويحفظ له شيئًا من شعره، كما كان يحفظُ شيئًا من القصص الطريفة والحكايات الغريبة العجيبة".
ثم يتابعُ سيرته والتحاقه بالجيش، ونزوله لمنطقة البيضاء، ثم محافظة حجة، وما كتب من شعر في تلك المرحلة من عمره، وعلاقته بالإمامينِ يحيى ثم ابنه أحمد حميد الدين، ومن ثم رحلاته الخارجية إلى أندونيسيا، والهند، ثم شعره في استنهاض الشَّعب، وقيام الثورة، ثم رحيله إلى (الطائف) التي اختارها مُستقرًا لبقية حياته، وفيها يقول:
وقائلةٍ أراك سلوتَ عنَّا.. وأزمعتَ المقامَ بسفحِ وجِّ
فقلتُ: دعِي البقية من حياتي.. أقضِّيها بلا هرجٍ ومرْجِ.
وفي مدينة (الطائف) التي استقر بها لمدة (25) عامًا ألقى بها عصى الترحال حتى توفاه الله يوم الاثنين 15 شوال1407ه/ 1987م. ولم تغفل الترجمةُ ذكر ولده الشَّاعر الكبير (إبراهيم الحضراني)، ومرثاته لهُ التي ألقاها في مهرجان (الجنادرية) في سنته السَّادسة عشرة في 30 شوال 1421هـ، ونشرتها جريدة (الجزيرة)، وفيها من المحبة لوالده، وذكر علاقتهما ما يمثِّل أنموذجا لرثاء الأبناء للآباء.
ثم المبحث الثاني من الكتاب- وهو جوهره وصلبه- جاء توثيقًا للحوار الذي أجراه فضيلة الدكتور عبد الله بن عبد العزيز المصلح في تلك الأمسية مع القاضي الحضراني في نادي أبها الأدبي عام 1402ه.
ونجد في هذا المبحث نصَّ المحاضرة كاملة، بما فيها من ذكر لمن قدَّم اللقاء، وهو الشَّاعر علي بن عبد الله مهدي، ثم من قرأ القرآن وهو الشيخ محمد بن إبراهيم النعمي، ثم كلمة النادي التي جاء فيها: "ضيفنا الكريم، تُحييك طبيعة أبها، بزهورها الفوَّاحة، وينابيعها الرَّقراقة، وتظلِّلُك أشجارها الوارفة الجميلة (...) أيها السَّادة بعد هنيهة سوف نُشنِّف آذانكم بالأدب الرفيع، والعلم الواسع الفيَّاض..."
ثم ألقى الشاعر والأديب الحسن بن علي الحفظي كلمةً ترحيبيةً أخرى، أوردَ الكتابُ نصَّها كاملًا، ثم عرَّف الأستاذ علي مهدي بالضيف: بمولده، وشيوخه، وحياته، وقيمته الأدبية والشِّعرية، ثم أمسك بزمام الحديث الدكتور عبد الله المصلح محاورًا الأستاذ الحضراني، في حوار طويل استغرق من الكتاب من (ص27- 76) أي (50) صفحة من القطع الكبير، احتوى على بداية قال فيها الحضراني: مُستهلًا حديثَه:
ماذا أقول وما أبقي وما أذر
(وهنا سنجدُ في الهامش تعليقات الدكتور عبد الله الحميّد وتوثيقاته الحصيفة في بيان أصل هذا البيت، وأنَّه ورد في كتاب الأغاني، مبينًا الفارق بينه وبين قول الحضراني، وهكذا سنجد حضور المحقِّق وتعليقاته الذكية والدقيقة في عموم النصِّ، في ترجمة الأعلام، وفي وصف الأماكن، وتصويب النصوص، وشرح المفردات، وغيرها من الإحالات المفيدة).
ثم يقول الحضراني: إني أقول الآن:
لقد تشرفتُ لمّا.. أتيتُ يا قومُ (أبها)
وجدتُ روضةَ أنسٍ من شِعبِ بواَّن أبهى
وأنا أقول الآن:
ما ألذّ الوصال بعد التَّنائي.. في انتزاح الوشاة والرقباء
كم مضى لي مع الأحبة يومٌ.. مِن وصالٍ يلذُّ في الدهناءِ
وبمغْنَى العذيب قبلًا وحزْوَى .. وبسفح العقيق والزوراءِ...
وبعد أن ينهي هذه القصيدة التي بلغ عدد أبياتها (13) بيتًا، يقول الحضراني: "... اسألوا يا ذا الحين (أي اسألوا الآن).
الشَّيخ عبد الله المصلح: - يعني لو بدأنا جلستنا بشعر تختارونه.
الشيخ الحضراني: أيّ نوع من الشعر؟
الشيخ المصلح: لعلَّه أن يكون المقصورة التي سمعناها منكم هذا اليوم.
الشيخ الحضراني: مرحبا.. المقصورات كثيرة، فمنها مقصورات توحيد، ومقصورات أدب، فمقصورات الأدب حقّ ابن دريد:
يا ظبيةً أشبه شيءٍ بالمها ترعى الخُزامى بين أشجار النقا
ومقصورة أخرى توحيدية، وهي من أسرار الأدب، وهي قوله:
إني لأرجو عطفةَ الله ولا أقلّ إن قيلَ متى ذاك متى
لا بدَّ أن يُنشَر ما كان طَوَى.. جُودًا وأن يُمطِرَ ما كان نوى...
ثم يمضي الحوارُ بالطريقة السَّابقة، يتخلَّله أكثر من (40) قصيدة ومقطوعة من شعر الحضراني، ومن شعر الإمام، ومن الشعر العامي والحميني، عند إسقاطه للطائرة وقتله للطيار الجنرال الإنجليزي، ومواقفه، وطرائفه، وحياته، ومن شعر غيره وما عارضهم به من قول، وهو أثناء ذلك يعلِّقُ بتعليقاتٍ طريفة بلهجته اليمنية الصَّنعانية الذَّمارية، وروحه الضاحكة المضحكة النقيَّة ذات البديهة الجميلة، والذكاء الحادِّ، والروح الشفافة اللطيفة.[وهي التعليقات والنبرات التي يحفظها الدكتور عبد الله الحميد حتى الآن، ويراسلني بعددٍ من تلك المقاطع بين فترة وأخرى، منذ عرفتُه في العام 2013م بصوته وبطريقة القاضي الحضراني مما يُدخلُ البهجةَ والمحبةَ في قلبي لهما معًا].
وعلى الرغم من عيشه في (الطائف) كل تلك السنوات إلا أنه يحنُّ إلى (صنعاء)، ويقول في حديثه: " ومن شعري بعد غيبتي عن (صنعاء) وفراقي إياها وما صَاليتُه من ألم الغربة والكُربة، فسمعتُ الحمامة تسجع، وتغنِّي، فقلت لها: أنتِ حمقاءُ مُدبِرة، ثم خاطبتها قائلًا:
يا رَبَّةَ الصَّوْتِ الْمُثِيْرِ شُجُونِي إِيْهٍ فَذَا الصَّوتُ الَّذِي يُشْجِيني؟
طوَّقتِ عنْقَكَ وَالْبَنَانَ حَضَبْتِها وَزَعَمْتِ أَنَّكِ فِي الْهَوَى تَحْكِيني
لمْ تألفِي إِلْفًا وَلَمْ تَتَشوَّقي أَيْضًا وَلَمْ تبكي لِفَقَدِ ضَنِيني
أمَّا أنا فَإِذَا حَنَنْتُ تَشَوقًا فَإِلَى (أَزَالَ) تَشَوُّقِي وَحَنِيني
وَمُعَنِّفِي بِالْوَجْدِ قُلْتُ لَهُ: اتَّئدْ فَالدَّمْعُ دَمْعِي وَالْعُيُونُ عُيُونِي
أنْسَى هَوَاهُمْ وَهُوَ دِيْنِي فِي الْهَوَى؟! ثكِلَتْكَ أُمُّكَ كَيْفَ أَنْسَى دِينِي؟!"
ثم يأتي ختام تلك الرحلة والمحاضرة الثَّرية، بالشُّكر والتكريم بدرع النادي، وبكلمة رئيس النَّادي الأستاذ محمد بن عبد الله الحميد، ثم يقول المصنِّف: "وبعد ذلك بادر القاضي الحضراني بقوله لرئيس النادي بيتًا عجيبًا من الشِّعر هو:
فلأشكرنَّك ما حييتُ وإن أمت.. فلتشكرنَّك أعظُمي في قبرها
(ويعلِّق في الهامش فيقول: اقتبسَ الحضراني هذا البيت من قول الشاعر:
أوليتني نعَمًا أبوح بشكرها.. وكفيتني كل الأمور بأسرها،
فلأشكرنك ما حييت...الخ، انظر: المستطرف للأبشيهي، ص241).
وقد ختمَ القاضي الحضراني -رحمه الله- هذه الأمسية بقوله باللهجة اليمنية: "والله يا قرَّة العين أنَّه لو كان لي بكلِّ جارحةٍ لسانٌ لعجزتُ عن وصف هذه "الأوجاه" المتشبِّعة بالرجولة والإسلام والدين التي كأنَّها دنانير تلمع، فأنا أحمدُ الله على هذه النعمة الكبيرة، فما كان يخطر في ذهني أن أجد هذا الاحتفاء والتقدير...الخ". ويقول المصنِّف: "انتهى النصُّ الكامل لهذه الأمسية الشعرية كما ورد في الشريط الصَّوتي المسجَّل مع بعض التَّصرُّفات اليسيرة من المؤلِّف، [ويقصد: حذفه لبعض ما أسماها الحضراني (المحمِّضات)، وهي بعض الطرائف الخادشة للحياء]، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين".
وينتهي الكتابُ بخاتمة، وملحق خاصّ بالمقابلة الصَّحفية التي أجرتها صحيفة (الشرق الأوسط) مع القاضي الحضراني بالإضافة إلى صُورٍ شخصية، ونموذج من خطِّه وخطِّ ابنه الشَّاعر الأستاذ إبراهيم الحضراني.
#يقول_عبدالله_آل_حميِّد: "ولا أقولُ إني قد وثَّقتُ سيرةَ ذلك الأديبِ اليماني الفذِّ؛ لأنَّ ذلك يحتاجُ إلى جهودٍ جبَّارةٍ لا يتَّسع لها وقتي، وأعتقد أنَّ في أبنائه وأحفاده ومحبِّيه وعارفي فضله من سوفَ يقومُ بهذه المهمَّة الصَّعبة، ويأتي في مقدمتهم ابنه الأديب الشَّاعر الأستاذ إبراهيم الحضراني، وذلك من خلال البحث والتنقيب في المكتبة الخاصة بالقاضي الحضراني التي أجزم بأنها تحوي نفائسَ الدُّرر والجواهر من أدبه الرائع، ورحلاته العجيبة، وملحمته الشعرية السياسية التي ذكر أنها تبلغ أربعة آلاف بيت".
وأنا أجدِّدُ مع المؤلف الدعوةَ بعد وفاة الأستاذ إبراهيم-رحمه الله- لابنه أمين أحمد الحضراني -أصغر أبنائه- الذي قال في رثائه:
"أنا الصَّغيرُ من الأبناءِ يا أَبَتِ/ لكنَّني أكبرُ الأبناءِ أحزانا"
أن يلبِّي هذه الدعوة، وينهض بهذه المهمَّة، وهو الأديبُ الشَّاعر، والمثقف الكبير.
تعليقات
إرسال تعليق