12- ("حي البيَّازِين: لعبد الوهاب سنين مرثيةٌ روائيةٌ لسقوط الهويَّة في الأندلس).

 


12- "حي البيَّازِين: لعبد الوهاب سنين مرثيةٌ روائيةٌ لسقوط الهويَّة في الأندلس.

#إشارات_أدبية

بقلم: د. #إبراهيم_أبوطالب

رواية "حي البيازين" لعبد الوهاب سنين- الصادرة عن عناوين Books، القاهرة، 2023م- تندرج ضمن روايات التَّخييل التاريخي، وهي تتخذُ من الأحداث المأساوية في "غرناطة" أثناء فترة سقوط الأندلس ميدانًا لحكايتها، حيث تتناول الرواية الحياة الاجتماعية والسِّياسية لأهالي "حي البيازين" الذين يواجهون صراعات وجودية وأخلاقية في زمن اقتراب نهاية الوجود الإسلامي في الأندلس. تتناول الرواية شخصيات عديدة ومختلفة تسكن الحي، مثل التجار والمثقفين والجند، وتجمعها قصصٌ إنسانية متشابكة، تهتم الرواية بالتركيز على مشاعر الحب والولاء، كما تظهر الخيانة بين بعض الشخصيات، توضِّح تفاصيل الحياة اليومية وتداخلات الصراعات بين العرب والقشتاليين، كما تحكي الفقد لبعض الشخصيات مثل (يعقوب الرملي) واختفاؤه الذي يشكِّل رمزًا لمعاناة جيل كامل من المسلمين في الأندلس قبل سقوطها.

تتميز الرواية بعنايتها بتقديم الشَّخصيات، ومنها شخصيات رئيسة وجوهرية مثل: شخصية (حبيب البلنسي) وهو: شاب يعمل في التجارة وصناعة المجوهرات، يتميز بالوسامة والشهامة. يعاني من حبه لـ(نور العين) وصراعاته مع الظلم الاجتماعي. وأما (نور العين) فهي ابنة التاجر (ابن يسار) التي تتميز بالجمال والرقة. وتعيش قصة حبٍّ معقَّدة مع حبيب في ظل رفض أمِّها لهذه العلاقة. وتأتي الشخصية الرئيسة الثالثة ممثلة في (ابن يسار البيازي): وهو تاجر كبير يعمل في تجارة الأحجار الكريمة، يتصف بكونه شخصًا حكيمًا ومحبًّا للثقافة والشعر، وله دور كبير في تسليط الضوء على معاناة أهل الحي. وأما الشخصيات الثانوية فهي كثيرة، ولكن نعرض منها إلى أربع شخصيات مهمة ومساعدة انبنى عليها السرد، وهي: شخصية (الشيخ أبو يعقوب الرملي): شخصية علمية وفكرية تسهم في إثراء الرواية بقضايا الفلسفة والأدب. وشخصية (أنخل سيميونيت): صديق حبيب، ويمثل التسامح بين الأديان. وشخصية الأمير (حسام بن جشعون)، -ونلاحظ سيمياء اشتقاق الاسم من الجشع- وهو شخصية متغطرسة تمثِّل الظلم والخيانة والنفوذ والسيطرة وشخصية (ماتيلدا) وهي والدة (نور العين) التي تسعى لتزويجها من الأمير حسام، وثمة شخصيات كثيرة عربية وغير عربية قامت الرواية على تجسيدها بتمكُّن على الرغم من كثرتها وتدخلها لكنها استطاعت أن تنسج منها مأساة تاريخية جرت أحداثها في الأندلس في فترة سقوطها نهاية القرن الخامس عشر الميلادي، سنة (1492م)، واعتنت الرواية سرديًّا بتقديم لمحة عن الروابط الإنسانية بين أبطالها رغم الألم والخسارة.

وإذا ما عرضنا للأحداث الرئيسة في الرواية، فسنلاحظ أنها تدور حول عدَّة محاور عامَّة تجمع بين السِّياسة، والعلاقات الإنسانية، والصراعات الاجتماعية خلال حقبة سقوط مدينة غرناطة، وقصر الحمراء، وأبرز تلك المحاور هي: 

1- خيانة العرب داخل غرناطة: أبرزت الرواية انقسامات الحكام في الأندلس واعتمادهم على الدعم القشتالي لتعزيز سلطتهم وبقائهم، لكن ذلك كان سببًا في انتشار الخيانة وانعدام الثقة مما أضعف المملكة النصرية، وغيرها. ومن الرمز للخيانة والتشتت وتآمر القادة اختفاء أبو يعقوب الرملي.

2- الصِّراع مع القشتاليين: قدَّمت الرواية عرضًا للمعارك المستمرة بين العرب وقوات قشتالة وأراغون، بقيادة فرناندو ملك أراغون، وإيزابيلا ملكة قشتالة، وخون القائد القوطي، وخيمنيس كبير القساوسة في طليطلة، وريبيرا وصوفيا ولوسيا وغيرهم من الشخصيات الغربية، الذين يسعون للاستيلاء على غرناطة المعقل الأخير في الأندلس، مع محاولات متفرقة للمسلمين للدفاع عنها لكن دون جدوى.

3- مأساة المحتسب وابنته: من خلال حادثة مأساوية سلطت الضوء على التردِّي الأخلاقي والاجتماعي في غرناطة وهي ما تعرضت له "نزهون" ابنة المحتسب التي اختفت في ظروف غامضة، ثم يتضح أنها اختطفت، واغتصبت، وقتلت بطريقة مخيفة وبشعة.

4- قصة الحب بين حبيب ونور العين: تمثل هذه الأحداث خطًّا عاطفيا في الرواية لكنَّه محفوف بالرفض من (ماتيلدا) أمها المسيحية التي تريد تزويجها من الأمير حسام، مما يجعل حبيبًا في مواجهة غير منصفة، ولا متكافئة مع نفوذ ذلك الأمير وسلطته.

5- الاعتداءات والتعسُّف في قصر الحمراء: هنا ينجح الكاتب في تصوير فساد الحكام وغياب العدالة، ومؤشرات السُّقوط بما يجري في ذلك القصر من انتهاكات وجرائم اغتصاب بحق العاملات في القصر، وما يرتكبه ذلك الأمير من فضائع.

6- دور الشيخ الرملي في التعليم والتنوير: هذه الشخصية على الرغم من أنها تنويرية تنشر الفلسفة والأدب بين طلابها مما يمثِّل الجانب المشرق والثقافي للحياة في غرناطة، إلا أنه لم يسلم من اختفاء ابنه يعقوب ومعاناته وأسرته من ذلك الحدث، وهو تعبير عن انفلات الأمن في تلك المرحلة.

7- انهيار الحي وتصاعد الحزن الجماعي: يقاوم أهل الحي التصدع والمآسي بالتغني بأمجاد الماضي هروبًا من واقع متردٍّ، بخسائره المادية والمعنوية.

8- النهاية المأسوية: لحظة من الانهزام والخراب والتَّدمير الذي أصاب العرب في الأندلس، وما تحمله من رسالة مؤلمة عن ضياع الهُوية وخسارة الإرث الحضاري الإسلامي في الأندلس.

وعليه فإن الرواية تجمع بين مشاهد الحرب والسياسة، وبين قصص الحب والخيانة، وتعرض معاناة الفرد والمجتمع في لحظات سقوط حضارة عظيمة.

وبالنسبة للزمن فقد وظفه الروائي توظيفًا دقيقًا، واستخدمه بشكل مرن ليربط الماضي بالحاضر، بل وفي مواطن يجعل القارئ يُسقِط ذلك الزمن على حاضر معاصر ربما يكون ماثلًا بيننا في عالمنا اليوم، وذلك ما يكسب الرواية عمقًا وتشويقًا من ناحية، ورمزًا وأفق توقع مفارق من ناحية أخرى.

والزمن في الرواية تاريخي يدور في أواخر القرن الخامس عشر الميلادي فترة سقوط غرناطة، وهو يستخدم خلفية رئيسة للصراعات بين المسلمين والنصارى والغزو القشتالي، والتحالفات السياسية. وثمة زمن نفسي يظهر في الأحاسيس ومشاعر الشخصيات مثل حزن المحتسب لفقد ابنته، والشيخ الرملي في شوقه لابنه، وهنا يظهر الزمن النفسي بتداعياته المختلفة. وتستخدم الرواية تقنية (الفلاش باك) في استرجاع أمجاد الأندلس وقوة المسلمين فيها، والحديث عن محنة (ابن رشد) لتمييز الفرق بين لحظتين: ماض زاهر، وحاضر خائر.

وفي معظم الرواية اعتمد الكاتب على السَّرد الخطِّي المتتابع في تسلسل زمن الأحداث، والتنقُّل بين فصولها الثلاثة عشرة. وقد يتوقَّف الزمن في وصفٍ تفصيلي لمشاهد معينة كلحظة العثور على جثة "نزهون" أو وصف دمار حلَّ بحي البيازين. وثمة استخدام لتقنية الاستباق مثل مصير الانهيار العام، حيث يربط القصص الفردية لشخصيات الرواية بالمصير الجمعي لأهل الأندلس، وكأنه بذلك يقدِّم مرثية حزينة لضياع الأندلس.

والمكان في الرواية متنوّع ومنها أماكن رئيسة: مثل حي البيازين الذي سُميت به الرواية، وقصر الحمراء، ومدينة غرناطة، وبساتينها الجميلة، وأماكن ثانوية بحسب الأحداث، وهي كثيرة ومنها: المسجد الكبير في غرناطة، وكنيسة الباب المردوم، ونهر حدرة، ونهر التاجة، ووادي الأيائل الحمراء، وسوق طليطلة وغيرها من الأماكن المفتوحة والمغلقة.

وخلاصة القول إن أبرز نقاط القوة في الرواية هي التصوير التاريخي العميق، ورسم الشخصيات بعناية تعكس صراعاتها وما ترمز إليه من معرفة وحكمة كالشيخ الرملي، أو قيم وحب كشخصية حبيب البلنسي، كما أنَّها حافلةٌ بتوظيف بعض أبيات الشعر واللغة الشِّعرية مما أضفى على النصِّ بُعدًا جماليًّا وثقافيًّا، كما لم تغفل الرواية البعد الحضاري العلمي للأندلس، ومن نقاط القوة الإسقاطات الواقعية في قالب شفَّاف مخاتل وذكي، يلمِّح ولا يصرح من خلال الخيانة والصراعات الداخلية التي تؤدِّي إلى انهيار الدُّول، ومن ثم إلى ضياع الأمم بشكل عام. 

وأما عن بعض الملاحظات فتتمثل في طول الوصف للأحداث والمباني مما يفقد التركيز-أحيانًا- لدى القارئ ويوقفُ السَّرد، وكذلك نمطية بعض الشخصيات كالأمير حسام الذي يمثل الشَّرَّ المحض والغطرسة المفرطة مما يقترب بها من النَّمطية. كذلك عدم وضوح بعض الحبكات أو تداخلها، حيث تعدَّدت الخطوط السردية مثل قصة يعقوب، وقصة الحب بين حبيب ونور العين، والصراع مع القشتاليين، وغيرها مما قد يجعل الحبكة الرئيسة غير واضحة للقارئ العادي أو المستعجل، وإن كانت تلك الخيوط والخطوط تقود إلى حياة من الصراع ونماذج من الشخصيات التي تعيش مرحلة من الانهيار وعدم الاستقرار، وربما غلب أحيانًا التاريخ بمعطياته وأحداثه الأدبَ والرواية بإنسانيتها وجمالياتها، وكانت الرواية بحاجة ماسَّة إلى العناية باللغة إملاءً ونحوًا.

وختامًا فإنَّ رواية "حيّ البيازين" عملٌ أدبيٌّ يمنيٌّ مميز يجسِّد مأساة سقوط الأندلس بأسلوب أدبي ثري، واستيعاب تاريخي وسردي عميق. 

#يقول_عبدالوهاب_سنين: "وصلا إلى مدينة طليطلة.. نظرا إلى نهر (التاجه) الكبير المحيط بالمدينة المحصَّنة بأسوارها المنيعة، وقد اختيرت عاصمة لملوك القوط لحصانتها، كما اتخذها حكام بني ذي النون في عهد ملوك الطوائف مقرًا لحكمهم لعظمتها، المدينة واحدة من تلك الأصقاع الأندلسية التي تزخر بجمال طبيعتها، وروعة بساتينها وأنهارها التي تهفو لها النفوس.. اقترب مع تابعه من النهر وصعدا إلى القنطرة المتكئة على عقدين كبيرين من الأحجار الصلدة يتربعان فوق النهر.

كانت الأجواء في طليطلة آسرة والسماء غائمة، تكاثفت السحب معلنة انهمار الأمطار لتُعانق سطح القنطرة، أخذا ينظران لجمال المدينة، ثم ابتعد القائد قليلًا ليتأمَّل القصر المطل على النهر وبصوت عابس قال لتابعه: «هذه المدينة بعد سقوطها عادت إلى من أتيتُ لخدمتهم، انظر أيها الأخرق إلى ذاك القصر في أعلى التلَّة، ربما لن تشاهد مثل هذا المنظر مرةً أخرى، أتعي ما أقوله لك، أيها الأحمق»".


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ماذا تعرف عن الحيمة الخارجية؟!

كتاب (الإعلان بنعم الله الواهب الكريم المنان...) كتابٌ يمنيٌّ فريدٌ ومدهشٌ يضمُّ ستة كتب في الصفحة الواحدة

مقدمة مختارات قصصية، من منشورات نادي القصة اليمنية إل مقه، 2013م