13- (عوالمُ الروح وذكرياتُها في رواية "بكاء الريح" لنعمان شعلان)

 


13- (عوالمُ الروح وذكرياتُها في رواية "بكاء الريح" لنعمان شعلان)

#إشارات_أدبية

بقلم: د. #إبراهيم_أبوطالب

    هذه رواية قادمةٌ من ريف اليمن بنقائه وجماله وعراقته، وصَفاء جوِّه، وارتفاع جباله وشموخها، وسمو قِيمِه، وعزةِ إنسانه، تحكي حياةً عرفناها وعشناها في أغلب أريافنا اليمنيَّة، وتَروي فترةً زمنيّةً من تاريخ اليمن تمتدُّ لستين عامًا- تقريبًا- منذ مطلع السَّبعينيات من القرن العشرين وحتى عام 2014م أو ما قبلها أو بعدها بقليل، إنها حياة الفلاح المحبِّ لأرضه، المتطلع إلى الاستقرار والدّعة، وبناء الإنسان المندمج مع الطبيعة بكلِّ تفاصيلها اليومية، وتطورات شخصياتها، والمرتبطة بأحلام النَّاس وأفراحهم وانكساراتهم وحياتهم المليئة بالحياة. 

    الرواية تحكي قصَّةَ أسرةٍ ريفيَّة زراعيَّة تتكوَّن من الأب (الحاج ناصر) الفلاح البسيط والمزارع المحبّ لأرضه الذي لا يعرف سوى الإخلاص لها ورعايتها، إنه أنموذج للفلاح الأصيل البسيط بكلِّ طموحاته وآفاقه وحرصه على الأرض التي لا يعرفُ سواها أمًّا، وكأن الله قد خلقَه من أجلها، يفلحها ويرعاها، ولديه أربعة أبناء من الذكور هم: محمد (الراوي بضمير الأنا)، وحميد، وفيصل، وطه، يختلفون عن والدهم في إقدامهم وشجاعتهم وحبِّهم للحياة، ويتصدَّرون التفوّق في الدراسة بثقة وعزيمة وقوَّة عكس والدهم تمامًا، ولديهم أمُّهم (مريم) وصديقتها (فاطمة) أنموذجان للمرأة الريفية المكافحة الحنون، تطيع الزوج، وتستحملُ حَنَقَه وحُمقه، راضيةً محتسبة؛ لأنها تُدرك طيبته وجوهره، وإن أخفاها تحت صوت صراخه أو نهرها بقول غليظ ليثبتَ شيئًا من رجولة تقاوم ضَعفًا يبديه، وذلك ليداري على شمعته، وحياته وطبيعة زراعته والعناية بأرضه.

    هؤلاء الأبناء الأربعة هم الشَّخصيات الرئيسة المتطورة والنَّامية التي ستُنبني عليها الرواية، فـ(محمد) سيصبحُ جنرالًا في الجيش، وهو صاحب شخصية قوية وثقة عالية، وهو الأخ الأكبر وعمود الأسرة وعميدها، تبدأ الحكاية بوصف تعليمهم الذي كان في وقتٍ من السَّبعينيّات والثمانينيّات يشارك فيه أستاذٌ مصري هو الأستاذ (محمود المصري) الذي سيشكِّل شخصياتهم، ويكون له الأثر الكبير في حياتهم وفي القرية، ثم يتمُّ اختيار (محمد) للجيش، فيخشى عليه والده ويرفض، ولكن شيخ القرية الرجل الحكيم (الشيخ حمود) الذي يدرك بحكمته وفراسته طبيعة شخصيات أفراد قريته، وما جاورها مما يظهر له في ذلك الشِّجار بين الأطفال في المدرسة، وكيف فَرِح بهذا الولد وإخوانه وبشجاعتهم وتفوُّقهم، فأقنع الأب بأنَّ اختياره سيكون فتحًا لهم وللقرية بعمومها.

    ثم تسير أحداثُ تعليمِه وانتقاله للعاصمة، وتطوره بحسب تطور التعليم واستقرار اليمن في تلك الفترة الزمنية، وتأتي الأحداث المتعاقبة والمترابطة في بناءٍ درامي متماسك وحبكة سردية جيدة. الأخوةُ الثلاثة الآخرين (فيصل) يصبح مُهتمًّا بالفنِّ وبالآثار وبالتُّحف حتى يغدو منزلهم تحفةً فنيَّةً، يساعده أخوه (محمد) بجلب التحف والصور الفنية من كلِّ سَفَر يكلَّف به خارج اليمن أو من دورة يلتحق بها، كما أنه يجمع من القرى المجاورة الآثار والتحف النادرة ويشتريها بماله الخاص، أخوهم الثالث (حَميد) سينشأ بتربية دينية حتى يصبح خطيبًا مفوّهًا، وعضوًا فاعلًا معتدلًا في حزب ديني، وتظهر فعاليته في الانتخابات التي يتعاملُ معها الشَّيخ بوصفه ممثلًا للحزب الحاكم بعقلانية، يحافظ فيها على مكانته وعلى رعيَّته، فيكون (حميد) نعم الرجل المتفهم، حين يطلب منه الشيخ ترك الخطابة والاكتفاء بالمجالس الخاصة، وبذلك يحقق توازنًا يُرضي الجميع.

    وأما (طه) فستكون الغربةُ والسفر من نصيبه، وفيها ستتطوَّر شخصيته، بوصفه أنموذجًا للمغترب اليمني الناجح، فيتعلَّم من خلال رعاية خاصَّة -لا يعلمُ سببها- وهي العقدة والحبكة الفنية التي ستتضح في نهاية الرواية، حيث يُقبلُ في شركة الأغذية العالميَّة حين لم يجد عملًا في غربته، ثم يعطيه رئيس الشركة عن طريق موظف الموارد البشرية سَكنًا، ودورات تدريبة لمدة ثلاث سنوات ليتخرَّج بعدها مديرًا للمشتريات يفهم العمل، ويرتفع بالشركة وبإنتاجها حتى تصبح من أفضل الشركات في (الحجاز). 

    هؤلاء الأخوة الأربعة، مع الشَّيخ حمود، والأستاذ محمود المصري هم شخصيات الرواية الرئيسة، وثمة شخصيات ثانوية مساعدة مثل (قاسم الراعي) الرجل الطيب، الذي يسجعُ في كلامه، المتأمِّل والمتابع لكلِّ أخبار القرية، والعارف بأسرارها، والتاجر (سعيد) صاحب الدكان الذي طوَّر نفسَه من تاجر متجوِّل بين القرى إلى صاحب (صَندقة) من صفيح على مفترق طرق القرية، وثمة شخصيات أخرى نسائية منها: زوجة (طه) الماجدة العظيمة ابنة الريف بقيمها وأصالتها التي تقف مع زوجة (فيصل) في محنته، وكذلك كل نساء القرية تمثلهم الرواية تمثيلًا يتناسب مع الاحترام لهن والتقدير لحياتهن وأعمالهن، وثمة شخصيات أخرى تمثِّل الشَّرَّ في الرواية، وهي شخصيتان دخيلتان على (قرية الجبال)، هما (رداد الشَّقي)، و(راشد) القادم من شمال الشَّمال.

    انبَنَت الرواية على الصراع بين الخير والشر، وعلى السرد المتماسك في حبكة من أهم ما فيها -وكلها مهمة- هو عناية الكاتب ببناء تلك الشخصيات ووصفها وصفًا دالًا عليها جسديًا ونفسيًّا وحركيًّا ووجوديًّا، بما يقرِّبها من أن تكون نابضةً بالحياة، وليست مجرد شخصيات من ورق كما يصفها "رولان بارت"، ولكنها كيانات تعتملُ فيها حياة حقيقية. 

    الملفت في هذه الرواية أنَّ تلك الشخصيات تنتهي بنهايات مأساوية، ففيصل ينتهي قاتلًا بفعل جريمته في قتل (قاسم الراعي) مذبوحًا على خشبة وأغنامه مبقورة البطون، لأنَّ الجنَّ-بزعمه- طلبوا دمَ إنسان ودماءً أخرى، فيكون (فيصل) ضحيةً للخرافات ويدخل إليه الشرير (رشيد) بوسوسته وهمسه وتحريضه مستغلًا هُوايته في جمع الآثار، فيعطيه كتاب (شمس المعارف الكبرى)، و(المندل السُّليماني)، ويتسبَّب له في مشاكل تجعله يتحوَّل إلى درويش، ويبتعد عن زوجه وأبنائه، وينتهي بالجنون أو بادعاء الجنون؛ ليحقِّق تلك الرغبة الشيطانية في العثور على الكنوز الدفينة، ويتَّضح أنه قد أصبح ضحيةً لذلك الشيطان الذي سيكون دوره مكشوفًا في نهاية الرواية، ومن أكثر المشاهد تأثيرًا في الرواية مشهد قبض الجنرال (محمد) على أخيه (فيصل) القاتل، واكتشاف فعلته، ثم تسليمه للشيخ (حمود) شيخ القرية.

    والمصير المأساوي الآخر هو لـ(طه) بعد أن يعرفَ قصةَ أخيه (فيصل)، في رسالة من الجنرال (محمد) يعلمه بما حدث، ويطلب منه العودة لأرض الوطن إلا أنه يصاب بحمَّى شديدة ومفاجئة، وقبل أن يُنقلَ للعناية المركَّزة يعرف مِن زيارة رئيس الشركة حقيقة تلك الرعاية، ومن هو الرئيس الذي لم يلتقِ به طوال فترة عمله، فتأتي المفارقة المدهشة، وكأنها (لحظة التنوير) في القصة، فيدركُ أن مصدر كلّ تلك الرعاية هو الأستاذ (محمود المصري) أستاذ طه وإخوانه في مدرسة القرية، وقد ترك التعليم واتجه للتجارة وفي الغربة كوَّن شركته تلك، وهو يعرفه من خلال الصور التي جاء بها في زيارته لتكون لحظةً مدهشةً وفارقة، ولكن للأسف سيكون مصيرُه بعد تلك الزيارة هو الموت بعدوى الحمَّى، فينتقلان معًا إلى رحمة الله في وقت واحد. 

    النهاية العصيبة والمأساوية الأخرى هي نهاية (الشَّيخ حمود) مقتولًا عند دخول جماعة (شمس الدين) للقرية مع (ردّاد الشقي)، و(رشيد اليحيى) القائدين الكبيرين في تشكيلات الجماعة، والدخيلان على الجبال، وهما أصحاب الشر فيها منذُ أن أحرقَ (رداد) دكان التاجر المسكين الصَّدوق (سعيد)، وهدَّده -حينها- بالموت لو تكلَّم، فتنازل عند الشيخ عن الدعوى والمطالبة، واتضح أن (رشيدا) هذا هو السَّبب في تدمير حياة (فيصل) حتى قاده إلى الجنون، فالقتل، فالسجن، فتأتي نهاية الشيخ في صراع مع المسلحين في مواجهة وقتال لم يرضَ به وكان عاقلا في مداراة المسلَّحين، ولكن جنونهم والدم الفائر كان هو الفيصل، فقتلوا الشيخَ ومرافقيه في باب منزله، وهو يداريهم، ولكنهم أودوا به.

    النهاية المأساوية الأخرى والمفتوحة على الاحتمالات هي نهاية الجنرال (محمد) الذي حاول العودة إلى القرية لإنقاذ أخيه وأهله، ومواساتهم في موت (طه)، ومحاولة إنقاذهم من براثن هذه الجماعة، لكنه بالدسيسة انتهى مُطاردًا في مغارة في الجبل مع (الراوي المشارك/ بضمير الغائب) الذي كتبَ حكايته هذه بتوجيه منه ورغبة في تسجيل تلك القصة، التي بدأت فنيًّا في العنوان الأول منها (آخر مطاف) وفي فصلها السادس عشر بعنوان (أول الطريق)، حيثُ جاءت العودة للحظة بداية الحكاية، وقد استخدم فيها الكاتبُ تقنية (الفلاش باك) في سرد الأحداث؛ حين بدأ الرواية بالجنرال في المغارة مطاردًا مع الراوي -في زمن حاضر- وانتهى بها في استكمال حلقات الزمن الحاضر وخروج الراوي المشارك في طريق الهروب والنجاة بنفسه وبأهله.

    قوُّة الرواية -إلى جوار الحكاية التي تحملُها- في خطابها من خلال الوصف، وما يحمله من ثقافة ومعرفة وتسجيل للأحداث السياسية والإقليمية، ووصف الأماكن والمشاعر، وبعض خصائص نساء القرية ونساء صنعاء، وحديث عن العفَّة والسُّفور، وغيرها مما كان يوقفُ السرد كثيرًا، ليقدِّم الكاتب رؤاه ووجهات نظره الملمَّة بخلاصات تلك القضايا وآفاقها العامة.

    كما تمتاز الرواية- عمومًا- بلغة مدهشة بناءً وبلاغةً وحوارًا ووصفًا، تذكِّرنا بلغة الأدباء الكبار من أمثال المنفلوطي والرافعي والأدباء الذين يمتلكون زمام اللغة بناءً وجمالًا وإتقانًا، وتجعلك الرواية تندمجُ في تفاصيلها بروعة الوصف، وجمال السرد، فتجذب القارئ بسحر الحكاية وسرها، وبما تثيره من فضول في معرفة مصائر شخصياتها، والتشويق في أحداثها.

    الحقيقة أنَّ هذه الرواية تمثِّل شاهدَ عصرٍ للحياة التي عاشها الكاتب، وعاصرها أكثرُنا في الثلث الأخير من القرن العشرين وحتى العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، وما تزال- سواء في الأرياف أو في المدن- تفاصيل تلك الأحداث التي عرفناها عالقةً في الذاكرة، وقد عشناها على المستوى الوطني أو على مستوى المتغيرات الإقليمية التي لم تغفل الرواية عن الإشارات إليها في مواطن متفرقةٍ من الوصف.

    إضافة إلى أن من يقرأ هذه الرواية يجد التصاقها الشَّديد بالواقع وانتمائها إلى مرحلتها بمعايشة تكادُ تكون وثيقةً تاريخيةً مقدَّمةً في إهاب من السَّرد المدهش، واللغة الراقية، والحبكة المحكمة.

   الأستاذ (نعمان شعلان) كاتبٌ وأديبٌ يمني، مواليد 1971م، متخصص في التاريخ، وعمل في الإدارة التربوية لأكثر من عقدين من الزمن.

    تأتي هذه الرواية بوصفها العمل الروائي الأول له- وهي الرابع في إصداراته- مع أنَّ أعمالَه الأخرى فيها قدرٌ كبيرٌ من السَّرد ومن السيرة الذاتية، بلغة أدبية عالية منها: كتاب "زحام في أسواق الرماد" وهو (نصوص متنوعة: قَصص، وخواطر، ومواعظ، وتأملات، ومقالات، مدعوم بصور تشكيلية)، و"السُّعْنون" (وهو الطفل الصَّغير في مرحلة الطفولة المتأخرة بين 8-12 سنة، وهو عمل قصصي يسردُ من خلال عين الطفل اللاقطة ذكرياته وحياته، وقيمة الكتاب فيما يحتويه من قاموس لغوي للكثير من المفردات المحكيَّة لمحافظته (إب)، وما حولها، وقد صَدرا عام 2021م، والكتابُ الثالث عنوانه "بين الجبال والوديان، رحلة قلم.. وذكريات مكان"، كتاب (توثيقي جغرافي تاريخي اجتماعي كبير في (592) صفحة، مدعوم بالصور الملونة الكثيرة والإخراج الفني الجيد، ومختوم بفصل عنوانه (إلى أحفادي بعد مئة عام). 

    #يقول_شعلان: "مكان المورد في منطقة الجبال كموضع الأنف في وجه الحسناء، ينعقدُ فيه جمال الطبيعة، يفيضُ جلاله السَّاحر على بقية المطارح والأماكن، يتكاملُ الجمالُ بالجمالِ، ويتميَّزُ الموردُ عن غيره بخضرة فاتنة، وأزهار متفتِّحة على الغصون والبراعم، وظلال واسع يُخمِد قيضَ النهار، ونبات زاحف رغم القطاف، وحول المورد متنزَّهات أنيقة، وهضاب مشرقة، وكهوف ومغارات تتخللُ الأشجار والزروع والروابي. النساء يقضينَ أمتعَ الأوقات هنا، يتبادلن أحاديث الشُّجون، يَبُحنَ لبعضهن بنجوى الأسرار الكامنة في الصُّدور، يتناقلنَ أخبار القرية والحكايات القادمة مع الريح مِن القرى البعيدة والقريبة، يتفاخرنَ بجديد ما اقتنينَه من مجوهرات وملابس وأثاث، وأواعي الطبخ والطحين والغسيل، يستهويهنَّ ما قالته العرَّافةُ وأساطير الغابة القريبة... ".


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ماذا تعرف عن الحيمة الخارجية؟!

كتاب (الإعلان بنعم الله الواهب الكريم المنان...) كتابٌ يمنيٌّ فريدٌ ومدهشٌ يضمُّ ستة كتب في الصفحة الواحدة

مقدمة مختارات قصصية، من منشورات نادي القصة اليمنية إل مقه، 2013م