عبد الرحمن مداعس قيثارة فنِّ النشيد الصنعاني- أ.د إبراهيم أبو طالب
عبد الرحمن مداعس قيثارة فنِّ النشيد الصنعاني- أ.د/ إبراهيم محمد أبو طالب
صوتٌ
يحملُك إلى آفاق بعيدة من التأمل والدهشة والجمال، فيه من التراث اليمني الأصيل ما
يملأ شغاف القلوب، وهي تستمع إلى نشيدٍ صنعاني بنغمة خاصَّة وقَرَار حاد، لكنه ذلك
القرار الذي ينساب في الأسماع، وكأنه خرير الماء مع زقزقة العصافير في خميلة من
الخُضرة المترعة بالجمال، يُتقن تفاصيل المقامات الصنعانية كأنها خارجة للتوِّ من
مَعملها الأول ومن أفواه ملحنيها القدماء الذين حملوها بين حناجرهم آهاتٍ ومعاني،
وأنغام وعُرَب تعبِّر عن روح الكلمة ودلالتها، وعمَّا خلف سطور القصيدة من مناسبة
كانت سببًا في إنشائها، وظلَّت علامة على بقائها وخلودها، أو حكمة وراء كتابتها،
فعانقها اللحن والتصقت به على مقاس ما كان له أن يزيد أو ينقص عن مقاسها وجمالها،
وأنَّى له أن يتأخر عن إبراز فتنتها وجلالها.
ذلك هو
صوت المنشد الكبير، والأستاذ القدير عبد الرحمن بن علي بن محمد بن يحيى مداعس (1959- 2024م) الذي كان مولده في قلب مدينة
صنعاء القديمة العريقة، وفي إحدى حاراتها الأصيلة، حارة العلماء والتُّجار
والمثقفين وعِلية القوم إنها (حارة الفِلَيْحِي)، حيث يقبع مسجدُها كأنَّه جامعة
شامخة ومؤسسة تعليمة رائدة، وليس مجرد جامع لأداء الصلوات الخمس بكل خشوع وروحانية،
ولكن الطفل الصغير عبد الرحمن يتلقَّى أولى خطواته العلمية في هذا المسجد الكبير
وفي كتاتيبه التي كان يشرف عليها كبارُ العلماء في بداية الستينيات الميلادية،
فيتعلم فيه أركان الصلاة وفرائضها وسننها، ويجمع إليها مما يلتقط ويستمع إليه من
بدايات المعرفة سواء من آيات القرآن
الكريم أو من اللغة العربية، أو من أوائل
دروس الحساب البسيطة في تعليم تقليدي هو في زمنه كان التعليم المعمول به، وهو
يتابع مشايخ العلم الكبار ويلاحظهم ببصره وبصيرته في ذلك المسجد العريق مسجد
الفليحي، حيث يجلس إلى أساتذةٍ علماء أمثال المرحوم الشيخ الحافظ (محمد سعد)،
ولا بدَّ أنه رأى وجلس إلى مفتي الجمهورية- بعد ذلك- العلامة (أحمد بن محمد
زبارة)، حيث كان يسكن في حارة الفليحي، وكذلك غيره من علماء عصره.
ثم حين تتفتَّح مداركُه يتنقَّل بين
حلقاتِ العلم، فيبدأ بالحلقة الأشهر في تعلم القرآن الكريم، وهي حلقة الأستاذ (حسين
الغيثي)، ويذهب إلى جامع طَلْحَة أحد معاقل العلم حينها، ويتلقَّى العلم
والقراءة على يد الأستاذ (عبد الله الحيمي)، فيستقي من تلك المنابع الصافية
معرفته الأولى والأصيلة، ويتلقَّى إلى جوارها فنَّ التعامل مع العلماء، ويستفيد
منهم حبَّ العلم، وجمال التلقي، ولطف الأخذ والاتباع بهدوء المتعلم، وأدب الطالب.
وحين يبدأ التعليم النظامي مع استقرار اليمن وبدايات السبعينيات الميلادية وتُفتح مدرسة ابن الأمير في منطقة الزُّمر القريبة من حارة الفليحي والمتداخلة معها بجمالها ومبانيها وأسواقها وأزقتها العابقة بروائح البخور الصنعاني والبهارات العابقة والسوق القديم، يلتحق بها الطفل النابه عبد الرحمن، وهو يُعدُّ نفسه لمرحلة جديدة من التعليم الحديث والمنظَّم الذي كان ثمرة للجمهورية، وبداية الانطلاق إلى أبواب العصر الجديد، فيتلقَّى تعليمه على يد عدد من الأساتذة اليمنيين والعرب المصريين والسودانيين، ويسير في التعلم مع سيره في التفتُّح على آفاق الحياة والعصر، وينمو الشاب متدرجًا من المرحلة الابتدائية، ثم الإعدادية التي يبدأ تعلمها في مدرسة سيف بن ذي يزن، ثم تنتقل أسرته من صنعاء إلى أجمل مخارف العاصمة وريفها إلى (الروضة) روضة حاتم، فيكمل دراسته الإعدادية في مدرسة الجيل الجديد بالروضة، وكذلك المرحلة الثانوية في مدرسة عمر بن عبد العزيز في التخصص العلمي في مدينة الروضة، فكأنه بذلك سيتنقّل بين دوحتين: دوحة تلقَّى فيها اللطف والأناقة والعبق الصنعاني الجميل، وبين متنزَّه للروح والجمال والطبيعة يتلقَّى فيها الإنصات لصوت الطيور وهي تُغرِّد على أغصان العنب، وحضائر الفواكه، ودوحة الطبيعة النقية الصافية، ومن هنا اكتسب في شخصيته ذلك التنوّع، وأثَّر فيها هذا المزيج الرائع بين صفاء (الروضة)، وجمال (صنعاء).
وكأنه يستمع إلى حوار المناظرة بين الروضة وبير العزب في قصيدة الخَفَنْجِي
(ت1180هـ) الشهيرة التي مطلعها:
(بير العَزَب) قالت لـ(روضَةَ احمد).. قد
عندنا حمام ودور مشيَّد
وسوحنا فيه الهزار غرَّد.. والغيم خيَّم
فوقنا وأرعد...
ومن هنا سيسري في روحه حبُّ الأدب، وجمال
النشيد، ومعنى الكلمة وأسرار دهشتها.
وتتفتَّح أزهارُ موهبته، تُغذيها طبيعةٌ جميلةٌ، واستقرار أُسريّ طيب، وأسرة علمية وأدبية عريقة فمن أسرته آل مداعس عدد من العلماء والمؤرخين والكتاب وأرباب التعليم والقضاء، والذين منهم على سبيل المثال لا الحصر أحمد بن محمد مداعس وكتابه المهم (من بواكير حركة التنوير في اليمن)، وهي (المجموعة الصحفية والأدبية للقاضي مداعس)، وقد جمعها وحقَّقها ابن اخته الأستاذ القدير محمد بن محمد العرشي، وصدرت الطبعة الأولى منه عن مركز عبادي للنشر بصنعاء عام 2007م، ثم طبعة ثانية عن وزارة الثقافة اليمنية عام 2011م في (488صفحة).
والكتاب يُسلِّطُ الضوء على بدايات الوعي الفكري
والأدبي والصحفي في اليمن خلال تلك الحقبة، ويحتوي على مقالات ونصوص أدبية تعالج
قضايا اجتماعية وفكرية وإنسانية مختلفة (مثل مقالاته الشهيرة عن "الإنسان
والحرب"). والقاضي العلامة أحمد مداعس (1926- 2013م) أحد أقطاب القضاء، والأدب،
والصَّحافة في اليمن خلال القرن العشرين، ويُصنَّف كواحد من طليعة رجال الحركة
التنويرية الفكرية.
وحين يَستدعي
عبد الرحمن هذا الإرث الثقافي والمعرفي لأسرته العَالمة المثقفة فإنه لا غرابة في
أنه سيسير في حبِّ ذلك الإرث، بل وسيدفعه إلى حبِّ التراث اليمني الأكبر وهو الأدب
والتراث الصنعاني بنشيده وفنونه المختلفة، وحين يتلمَّس طريقه العملية الأولى فإنه
يؤدي خدمة الدفاع الوطني بعد الثانوية -كأبناء جيله- دفاعًا وترسيخًا لقيم الوطن، فيؤدي
الخدمة في قلب العاصمة الفتي وتحديدًا في (مطار صنعاء الدولي)، ثم بعدها يحصلُ على
منحة دراسية إلى الجمهورية العربية السورية في مطلع الثمانينيات (1981م) ليدرس
الهندسة المعمارية في جامعة حَلَب، وبعد عامين يعود لحبيبته صنعاء حين تحول ظروف
خاصة عن مواصلته للهندسة، فيلتحق فور عودته بجامعة صنعاء في كلية التجارة، ويعمل
أمينًا لخزينة جامعة صنعاء بجوار دراسته.
وهناك
تتفتح موهبته الكبيرة التي بدأت معه منذ الثانوية، وهي الإنشاد، ويكتشف هو
وأصدقاؤه جمالَ صوته، فيبدأ على إطار ضيق من خلال المشاركة في أعراس الأصدقاء، حيث
يزفُّهم ويمتِّعهم بأدائه، وما يلبث ذلك أن يخرج للعلن، ومع بداية أوَّل محاولة،
وفي وقت مبكر له في الإنشاد يَصحب الكبار أمثال المنشد القدير الأستاذ محمد
النعماني، حيث أتاح له بجواره أن يُنشد في العام 1978م وفي إحدى حارات صنعاء
القديمة (حارة سبأ) فيصدح صوته، فما ينتهي من مقطوعته إلا وعلامات الإعجاب والثناء
تملأ موهبتَه تحيةً وتصفيقًا وتشجيعًا، وقد استقرَّ في روعه بأن هذا الطريق هو
طريق حياة قادمة، ألهمها قول والده الذي كان يُجلُّه، ما أجمل أن يستمع إليك الناس
يا عبد الرحمن، ويقولون بعد إنشادك: "رحم الله والديك" فتكسب أجر
الدارين.
وهكذا
سيغدو الشاب النَّابه والصوت القوي بعد ذلك علامةً من علامات الإنشاد الصنعاني،
بخصوصية عالية، وبصمة مميزة لا يشبهها أحد.
ويمضي
الزمان ويصير للإنشاد في اليمن كيانٌ مؤسسيٌّ وجمعية للمنشدين اليمنيين، فيصبح عبد
الرحمن أمينا عامًّا للجمعية، ويستفيد من تخصصه الجامعي في الإدارة والمحاسبة في
كلية التجارة في هذه الجمعية التي تصبح الأكبر في الجمعيات اليمنية المدنية،
والأكثر تأثيرًا وحضورًا على المستوى المحلي والعربي؛ ليشارك عبد الرحمن مداعس مع
رفاق الجمعية من الأصوات اليمنية الكبيرة في الإنشاد في تمثيل النشيد اليمني
والمشاركات الدولية ابتداءً بالأردن، فمصر، فالإمارات، فسلطنة عمان وغيرها من
الأقطار العربية، ثم يخرجون إلى العالم من خلال مهرجانات أوروبية منها مشاركة في
فرنسا وغيرها من الدول العالمية.
هكذا
يبدأ الحلم صغيرًا، والموهبة الحقيقية تنمو في ظل عناية صاحبها وتقديره لها، وفي
إطارٍ من العمل الجماعي الخلَّاق والتعاون بين أصحاب المهنة الواحدة ممن يجمعهم حبُّ
الفن اليمني الأصيل، وسرُّ الكلمة والنشيد، وروح التراث العريق.
واستمر
الأخ والصديق عبد الرحمن مداعس (أبو محمد) سنوات من العطاء والحضور الإعلامي
والثقافي، وهو يسير بخطى ثابتة متوازنة، وعلى المستوى الشخصي فقد حضرتُ له أكثر من
عُرس، وأكثر من أمسية رمضانية جميلة، كما استمعتُ إليه، وهو يشدو على خشبة دار
الأوبرا المصرية مع زملائه المنشدين في الليالي العربية التي كانت تنظمها جامعة
الدول العربية، وأمَّا في التلفزيون اليمني فلطالما أنشد وغرَّد وأدهش وأطرب.
وحين كان يشدو في تلك المنابر جميعًا كانت تنساب
إلى الآذان أبياتُ الشعر وكأنها طازجة خرجت لتوِّها من عالم أخضر وردي عابق
بالجمال، ومضمَّخ بالدهشة والدلال.
وقد
عرفتهُ في عددٍ من تلك الجلسات والمجالس الصنعانية الأنيقة، وما أجمل دماثة
أخلاقه، وبشاشة حضوره، وتواضعه الجَمّ، حيث يُعطي الجميعَ قدرَهم، فيبجِّل الكبير،
ويحترم الصغير، ويبتسم للجميع، ولا أنس ما كان من أجمل عبارته حين ينتهي من
مقطوعته الإنشاديَّة، وهو يردُّ على كل من يقول له:
"أحسن
الله إليكم!"، فيقول: وإياكم، وأحياكم الله حياةً طيبة، وأنَّس اللهُ
بحياتكم".
عبد
الرحمن مداعس عَلَامةٌ من علامات الفنِّ الإنشادي الصَّنعاني يَعرفُ مشاربَه
وأدوارَه، ومطالعه وخواتمه، كما يجيد أداء نغماته الأصيلة، وكلماته الرصينة بكل
معرفة واقتدار، فلم يكن مُجرد مُؤدٍ صوته جميل، ولكنه كان أديبًا مُدركًا لأسرار
الكلمة، ومواطن اختيارها، وطبيعة النغمة فيها، فينشد لكلِّ مناسبة أبياتها، ويختار
لكلِّ جمهورٍ ما يناسب ذوقه، ويدلُّ على طبيعة فهمه وثقافته.
رحم الله
الأستاذ القدير عصفور النشيد الصنعاني الأصيل وقيثارته، وجعل الله كلَّ ما
قدَّمه في ميزان حسناته، وفي خزائن رفعته في الدارين!
13/جمادى
الأولى1448هـ
24/10/2026م







تعليقات
إرسال تعليق