7- (الذاكرة الراصدة للراحلين لدى الأستاذ الدكتور أحمد بن محمد بن حميِّد)
7- (الذاكرة الراصدة للراحلين لدى الأستاذ الدكتور أحمد بن محمد بن حميِّد)
بقلم: د. إبراهيم أبو طالب
#إشارات_أدبية
هذا الكتابُ يجمعُ بين فنَّي الترجمة للأعلام، وفنِّ كتابة السِّيرة (الذاتغيرية) كما أسميتُها في كتابي (مِن هؤلاء تعلمت)؛ حيث يعرضُ المؤلِّف لعدد (62) شخصية ممَّن التقى بهم وعرفهم، وعايشهم، سواء كانوا من الأعلام الذين عَمِلوا في القضاء أو التعليم أو من رجال الفكر والأدب والعلم، ويجمعها شرطان رئيسان: الأول: أنهم ممن رآهم المؤلفُ وعايشهم، والآخر أن يكونوا قد رحلوا عن عالمنا، وتوفاهم الله.
والكتابُ يأخذُ بمنهجيَّة علم التراجم بشروطه الدقيقة من التعريف بالأعلام وفق المنهج العلمي الحديث، من مِيلادهم، وتعلُّمهم، وأعمالهم، ومن قبلها يذكر الاسم الكامل للمترجَم له، وفيه من طريقة القُدماء المعروفة في تراثنا العربي ذكرُه للنسبة إلى مكان الميلاد والوفاة وأحيانا للمذهب، وفيه من روح الأدب وجمال الأسلوب ما يدلُّ على أنَّ المؤلِّفَ- وإن كان من علماء التدريس في تخصُّص الشَّريعة، وكان عميدًا لكلية الشريعة وأصول الدين، وهو أستاذٌ فيها- فهو يمتلكُ حِسًّا أدبيًّا عاليًا، وقلمًا متمرِّنا على البلاغة، والأسلوب الرفيع.
ولا غرو فهو سَليلُ أسرةٍ أدبيَّةٍ وعلميَّةٍ كبيرة، وله من المؤلفات الكثير مما يرتبطُ بفنِّ الرحلات، ومنها (الرحلة الأردنيَّة)، ومن خلال معرفتي به، ولقاءاتي معه، فإنَّه ممن قرأ كثيرًا ويقرأ في الأدب: شعرًا وقصَّةً وروايةً، وهو على اطلاع ومعرفة بغُرر التراجم، والسِّير، وكتب الأدب والبيان، لهذا ظهر ذلك الأسلوبُ الأدبي في مقدمات التعريف بالأعلام، وفي العناوين التي اختارها لتكونَ دالَّةً على خُلاصة حياة الشَّخصية، وسيرتها، وعلاقة معرفته بها، ومن تلك العناوين الأدبية البليغة على سبيل المثال: (صديقُ البلد والوالد والولد، حينما كانت المجالسُ مدارس، الراوية والأديب، الواعظ الظريف، تاريخٌ في رجل، من إذا رُؤي ذُكِر الله، خَدينُ الكتبِ... وغيرها).
عرضَ الكتابُ لشخصيات عاشت في مدينة (أبها) ونزلت بها، ومنها أعلامٌ من (مصرَ)، بلغ عددهم (16) أستاذًا ممن عَرفهم المؤلفُ، إمَّا في قاعاتِ الدرس طالبًا أو في الكلية زميلًا، وكذلك تَرجَم لأستاذين سوريين، ولأفغانيّ واحد هو (عبيد الله بن عطاء الأفغاني)، ولعراقي كُردي، ولسودانيينِ، أحدهما أستاذة اسمها (عزِّية بنت علي السُّودانية) أستاذة جامعية قديرة، وهي المرأة الوحيدة في تراجم الكتاب ممن مرُّوا على جسر ذاكرة المؤلف.
وبقية الأعلام التي بلغ عددها (40) علمًا من الأدباء، والقضاة، ورجال الإصلاح الاجتماعي، والخطباء، والمؤلفين، والعلماء، هم من أبناء المملكة العربية السعوديَّة سواء كان مولدهم في (عسير) أو في غيرها، ولكنَّهم نزلوا في مدينة (أبها)، وعاشوا فيها زمنًا من أعمارهم، وقد بيَّن المؤلفُ في المقدمة منهجَه، وسبب اختياره بقوله: "هذا مجموعٌ لطيفٌ، حوَى ذكر أشخاصٍ مرُّوا على جسر الذاكرة ممن حصل لي معهم مجالسة، واستفدتُ منهم فائدةً من قُضاة، وأساتذة، وأدباء مشاركين- [وكلمة مشاركين أو مُطالعين هي ما اختارها المؤلف بدلًا عن الأوصاف التي يُطلقها الناسُ، ولا ضابطَ لها-من وجهة نظره- من مثل: المثقَّف، المفكر، الدَّاعية...]- ممن سكن (أبها)، وأقام بها- ولم أَعنِ به أن يكون موسوعةً لجنس هؤلاء أو كتابًا أُترجم لهم فيه، وإنما هو مَزيجٌ من رسم الشَّخصية، مع شيءٍ من الذكريات، ومحاولة للتعريف بهم مما دوَّنتُه عنهم أو وجدتُه مبسوطًا في كتاب... ثم رتَّبتُ المترجَمينَ على حروف المعجم مُقَدِّمًا بمدخل لكلِّ شخصية، ثم التعريف به؛ وبعض ما قيل فيه من معاصريه".
وبيَّن المؤلفُ أنه لم يذكر في الكتاب من اجتمع بهم ممن كان قدومُهم إلى مدينة (أبها) عابرًا في زيارة قصيرة، ولم يتوسَّع في ذكر المشاركين ممن لم يكن لهم كتابٌ أو ديوانٌ، ولذا نجدُ أنَّ بعض الأعلام يقتصرُ الحديثُ عنهم في صفحةٍ واحدة فقط، وآخرين قد تطول إلى عشر صفحات.
والأستاذ الدكتور أحمد بن محمد بن عبد الله بن حميِّد هو بحسب وصفه وشرطه -سابق الذكر- مُشاركٌ ومُطالعٌ ومؤلفٌ باحثٌ صدر له من الكتب المطبوعة إلى جوار هذا الكتاب: كتاب (المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية ج 14، دار العاصمة، الرياض، 1428-وكتابة الحديث بين النهي والإباحة (كتاب محكَّم)، طبعه مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف بالمدينة المنورة، ط1، 1425هـ- والدرُّ الثمين بذكر المناقب والوقائع لأمير المسلمين محمد بن عايض لحسن بن أحمد اليمني، تحقيق ودراسة (كتاب محكَّم)، دارة الملك عبد العزيز، 1434هـ- الرحلة الأردنيَّة، خطراتٌ ومشاهدات، نادي أبها الأدبي، 1434هـ- وكتاب (من حصاد السِّنين) لوالده الأستاذ محمد الحميَّد، أعدَّه وجمع مقالاته وكتاباته، وأصدرها في أربعة أجزاء، الأول: (رجال استحقوا التنويه)، نادي أبها الأدبي 1439، والثاني: (إصدارات وقراءات)، نادي الأحساء الأدبي 1439، والثالث: (مقالات في تاريخ الوطن)، نادي أبها الأدبي، 1440، والرابع: (حديثٌ ذو شجون)، نادي الأحساء الأدبي، 1444. فنعمَ البرّ بالوالد، ونِعمَتِ الصِّلة بأعماله وآثاره.
ولهُ الكثيرُ من الأبحاث العلمية المحكَّمة في المجلات العلميَّة الأكاديمية، نذكرُ منها: بحث (سهل بن سعد السَّاعدي ترجمة حديثية في ضوء مرويَّاته، والأحاديث المرفوعة التي وردت في ذم الوليد بن عُقبة بن أبي معيط؛ تخريجًا ودراسة، وكتابة الحديث بين الإذن والنهي، أحاديث الفتن معالم في الرواية والدراية، وعلم شرح الحديث؛ دراسةُ تأصيلٍ، ومعرفة الزمن الذي وقع فيه الحديث، ومعرفة الأماكن الوارد ذكرُها في الحديث، ومعرفة أوطان الرواة وبلدانهم؛ تقعيدًا وتطبيقا، وعيادة المريض في ضوء السُّنة (تعريفها وفضائلها وأحكامها وآدابها)، والمدخل إلى علم تاريخ السُّنة، جزء فيه من حديث أبي يحيى فليح بن سليمان المدني (تحقيق ودراسة). وغيرها من المقالات والمشاركات العلمية النافعة.
#يقول_أحمد_بن_حميِّد: "(الواعظ الظريف): شيخٌ جميل المحيا، سريع البادرة إلى الطُّرفة، هيئته هيئة المنتسبين إلى العلم الشرعي؛ وكلامه كلامُ الأدباء الظرفاء؛ وتصرفاته خالية من التكلُّف الذي يحاول بعض المنتسبين إلى الوعظ أن يضفيه على نفسه، فتجده في مجامع الصُّلح؛ وفي مناسبات الأفراح يلبس كل حال لبوسها، ينطلق في فتواه من أفق بعيد، واستيعاب لمقتضى الدليل، ومعرفة لثمرة الخلاف، مراعاة لحال المستفتي على نمط بعيد جدًّا عمَّا رأيته في كثير من المنتسبين إلى العلم الشرعي لمن هو في سنِّه أو قريبًا منه، وذلك لتنوّع مشارب العلم عنده، ولهذا آذاه الجهلة، ونبذ طريقته المتكلِّفون، شابَ فزاده الشيبُ جمالا ووقارا، ربعة إلى القصر أقرب، أبيض مشرب بحمرة إنه: سعيد بن مشبب بن أحمد العسيري ثم المالكي أبو مشبب اليعلوي، الفقيه الواعظ. ولد في قرية الفَرْشة، وأرَّخ ابنه ولادته عام 1354هـ، وعندي أنَّه دون ذلك بنحو أربع أو خمس سنين، كما أخبرني المترجَم، ونشأ يتيمًا في حجر الشيخ أحمد بن علي بن معدي شيخ شمل قبيلة بني مالك المتوفى سنة 1377هـ بقرية (سبل) وسلك طريقه بعصاميَّة...".
تعليقات
إرسال تعليق